الأخبار

هل منعُ التجوّل هو الحلّ لمواجهة “كورونا”؟

هل منعُ التجوّل هو الحلّ لمواجهة "كورونا"؟

هل منعُ التجوّل هو الحلّ لمواجهة "كورونا"؟

مع أول بؤرة انتشار لفيروس “كورونا” المستجد في فلسطين، شرعت الحكومةُ الفلسطينيّة باتخاذ إجراءات للسيطرة على المرض، كعزل المصابين، والإقامة المنزليّة للعائدين من السفر، وإغلاق المدارس والجامعات. تفاوتت الردودُ الشعبيّةُ بين مؤيدٍ وآخر منتقدٍ يطالبُ بتصعيد الإجراءات. حتى جاء 22 مارس/ آذار، وقررت الحكومةُ فرضَ أشدّ إجراءات السيطرة على الأوبئة: “منع التجول“. لكن ألم تكن الإجراءات السّابقة شديدةً بما فيه الكفاية لمنع تفشي المرض؟ بل نعود لسؤالٍ أهمّ وأسبق: هل الإجراءُ الصّحيح في مثل حالتنا هو منعُ انتشار المرض؟

السؤالُ عن الإجراءات الواجب اتّباعها للحفاظ على صحّة المجتمع يتطلّبُ أولاً تحديدَ الأهداف التي نريدُ تحقيقَها، كما ينبغي تحديد القيم التي لن نتجاوزها في هذه الحالة، وكذلك تحديد الاحتياجات الأساسيّة التي يجب أن نُوَفّرها. يدّعي هذا المقال أنّ إجراءاتِ حفظ الصحّة المتّخذة في الضفّة الغربيّة اتُخِذَت دون تحديدِ هدفٍ واضح، ودون نقطةِ نهايةٍ مُعلنة. كما يناقشُ بعضَ الإجراءات التي قد تمنعُ انتشار المرض في الوقت الحالي، لكنها لا تحققُ الهدفَ الأكبر وهو الحفاظ على الصّحة العامة، أو أنّها غير صالحة للاستمرار على المدى الطويل.

اقرأ/ي المزيد: ما المفزع أكثر من “كورونا”؟

كيف ينتشر الوباء وكيف يَقتُل؟

حتى نحكمَ على إجراءاتِ مواجهة الوباء، يجب أن نفهمَ كيف ينتشر الوباء وكيف للجسد والمجتمع أن يواجهه، وبناء على ذلك نحددُ هدفَنا في المواجهة. ليست الأمراضُ المعديةُ حدثاً عابراً يأتي بموجةٍ واحدةٍ ثمّ يندحر. ليس الوباءُ كإعصار يهبّ في وقتٍ معلوم، ونستبق ذلك بتدعيم البيوت وتحصين النوافذ وبناء المتاريس، إذ أن الأوبئة ليست كالكوارث الطبيعيّة، ولن تفلح محاولات “منع دخوله” في حمايتنا.

عملُ الفيروسات في تدمير الصحة مرتبطٌ بعوامل مختلفة: منها ما هو متعلقٌ بالفيروس وقدرته على الإمراض والانتشار، أو ما هو مرتبطٌ بالأفراد وقدرة أجسادهم على مواجهة المرض، أو النظم الصحيّة والدول وقدرتها على استيعاب هول هذه الضربة. وهذه العوامل متشابكة وجدلية بشكلٍ معقّد. فأجسادنا مثلاً تزدادُ قدرةً على مواجهة الأمراض المُعدية كلّما أُصيبت بها؛ الجسد الغضّ الذي لم يُصبه أيُّ فيروس من قبل أكثرُ عرضةً للهلاك من جسدٍ تعرّض لعدد من الفيروسات في حياته فقوّت مناعتَهُ. وكذلك تزدادُ قدرة المجتمعات على الحدّ من انتشار الوباء كلما ازدادتْ نسبةُ الأشخاصِ الذين أُصيبوا بذات الفيروس. وهذا ما يُعرَف بمبدأ “مناعة القطيع”. ولهذا السبب يكون “كوفيد-19” أكثر فتكاً وأسرع انتشاراً مقارنةً بالإنفلونزا الموسمية؛ كونه فيروس جديد على أجسادنا ومجتمعاتنا.

هذه الظواهر وثَقَتها دراساتٌ عديدة وملاحظاتٌ تاريخيّةٌ. فتطعيمُ الأطفال ضدّ البكتيريا المسبِّبَة لالتهاب الرئة قلّل بشكلٍ كبيرٍ من إصابة العجائز بهذا المرض، مما يؤكد مبدأ “مناعة القطيع”: تعرضُ فئةٍ للفيروس يحميها ويحمي غيرها منه. وعكس ذلك مدوَّن في تاريخ المُستعمِر الغريب الذي أدخل معه أوبئةً جديدة، في القارة الأميركية مثلاً، على شعوب لم تألف أجسادُها هذه الفيروسات، ولم تنتشر بين مجتمعاتها مسبقاً. فكانت أجساد المواطنين الأصليين غضة وأجهزة مناعتهم لمّا تتعود على هذه الميكروبات، فحصدت منهم الملايين.

هنا نُدرك أنّنا نقدِر أن نَحدَّ من إمراض الفيروس حين تتعرض أجسادُنا له مُكونةً مناعةً ضدّه. ونستطيع أن نحدّ من انتشاره كلّما كوّن أفرادٌ أكثر مناعةً ضدّه. أما القضية الأخيرة فهي كيف يتسبب الوباء بالموت؟ في هذا العصر، ومع تطوّر العلاجات والممارسة الطبيّة، نستطيع التعامل مع كثير من الالتهابات الفيروسية بشكل جيّد نسبياً، حتّى لو لم يُطوَّر دواءٌ خاصٌّ بهذا الفيروس. إلا أن سرعة انتشار الوباء تدفع بعددٍ كبيرٍ جداً من الإصابات إلى المستشفيات في وقتٍ قصيرٍ نسبياً. فتغرق المستشفيات بما لا تحتمله طاقتها، ولا تعود قادرة على تقديم العلاجات والمدعّمات الممكنة والمتوفّرة، وذلك لسبب أساسيّ هو عدم جهوزيّتها وإهمال حاجاتها على مدى سنوات طويلة. وحين لا تعود المستشفيات قادرة على تقديم الخدمات للمرضى، يزداد بشكلٍ هائلٍ عدد الوفيّات. 

لمواجهة تفشي الوباء، بالإمكان الحديث عن سياستين: الأولى تهدف إلى الكبت وإيقاف انتشاره (Suppression)، والثانية تهدف إلى إبطاء انتشاره (Mitigation). في حالة الكبت، فالهدف هو منع أيّ انتشار للفيروس تماماً. وحتى تنجح يُفضَّل أن تبدأ هذه الطريقة قبل انتشار الفيروس بشكلٍ كبير. لكننا عرفنا بناءً على ما ذُكِر سابقاً أنّ أجسادنا لن تكون قادرةً على تشكيل مناعة في هذه الحالة، ولن تكون مجتمعاتُنا قادرةً على الدفاع عن نفسها حين نُوقِفُ هذه الإجراءات. لذلك تكون نقطة النهاية لهذه الإجراءات حين ينقضي الوباء عالميّاً، أو حين نكتشف علاجاً فعالاً له، أو لقاحاً يحصّن معظم المجتمع، وهو ما سيستغرق وقتاً طويلاً.

أما السياسة الثانية فهي أكثر تعقيداً. تهدف سياسةُ إبطاء انتشار الفيروس إلى تقليل سرعة انتشار المرض بدلاً من وقفه تماماً. وهي في ذلك تعمل بين حدّين: لا نريد انتشاراً سريعاً لأن ذلك سيُغرق المستشفيات ويرفع الوفيات، كذلك لا نريد منعاً كاملاً للانتشار لأن ذلك سيَحولُ دون تكوين مناعة بين الناس. فالهدف هو “تسطيح منحنى الانتشار”، أي أن نحاول خفض ذروة انتشار الفيروس عبر إطالة مدة انتشاره. بخلاف السياسة الأولى التي تدفع المنحنى إلى الصفر طوال فترة تطبيقها.

 

هل ستنجح السّلطة خلال أسبوعين أم يستمر الحظر خمسة شهور؟

حين ننظر إلى إجراءات الحكومة -حتى قبل منع التجول- فهي تصنف تحت السياسة الأولى: الكبت والمنع الكامل لانتشار المرض. بناء على محاكاة إحصائية أجراها فريق في “إمبيريال كولج – لندن”، أوصت أن تستمر سياسة “الكبت” لمدة خمسة أشهر حتى تحقق أهدافها وإلا فإنّ الوباء سيعود للانتشار متى ما رُفعت الإجراءات. أو أن تستمر هذه السياسة إلى أن تحصل الحكومات على لقاح يحمي المجتمع بنسبةٍ عاليةٍ (وهذا في أحسن الأحوال قد يستغرق 6 أشهر، وفي الغالب ما بين 12-18 شهراً). فهل تستطيع الحكومةُ الفلسطينيّةُ الحفاظ على هذا الوضع وتبعاته لخمسة أشهر؟ إلا إن كانت تهدف إلى وقف انتشار الفيروس ثم عزل المجتمع عن محيطه تماماً لمنع دخول حالات جديدة، فنعيش في “فردوس” من السلامة. 

لكن هل هذا ممكن في ظلّ غياب أي سيطرة على “معابر وحدود”، بل وارتباط حياة الناس بالعمل داخل الأراضي المحتلّة عام 1948، وشح فرص العمل والتعليم داخل الضّفة؟ أو ربما يكون هدف الحكومة هو السيطرة على المرض إلى حين تطوير بُنيـتِها التحتية وشراء مزيدٍ من أجهزة التنفس الاصطناعي، وتجهيز مزيد من غرف العناية المكثفة؟ ولكن هل يُمكن ذلك في أسبوع أو اثنين خُصِّصوا في ظلّ النقص العالميّ وازدياد الطلب عليها؟ وهل ستنجح الحكومة في ظرف أسبوعين فيما فشلت في تحقيقه حكوماتٌ متعاقبة عبر سنين؟ والواقع أن القضية ليست نقص معدات فقط، فهذه تحتاج طواقم مختصة لتشغيلها، فهل ستدرِّبهم بأسبوعين أيضاً؟

اقرأ/ي المزيد: “عندما يُعامل عمّال الضّفة كـ”الجراثيم”!

صحيح أنّ الإجراءات الحالية قد توقف انتشار الفيروس تماماً، لكن في حال لم توفر الحكومة إجاباتٍ واضحةً على التساؤلات السابقة، فالمتوقع هو انتشار المرض متى ما أُوقِـفت هذه الإجراءات. فقد بيّنا أنّ المنع التام لانتشار الفيروس في المجتمع سيمنعُ تشكيلَ مناعةٍ ضدّه على مستوى الأفراد، ولن يسمح بتكوين مناعة القطيع على مستوى المجتمعات. وبمجرد عودة الحياة للمجتمع سيعود الفيروس لحصدِها إذا لم تُطوّر الحكوماتُ جهوزيّة طبيّة تواجهه به، ولم تطوّر الأجساد مناعةً تحمي نفسها بها.

هذه الظاهرة مسجلّةٌ في التاريخ. فالإنفلونزا الإسبانيّة مثلاً، انتشرت في العالم على شكل موجاتٍ ثلاثة. تفاوتت نسب الوفيات بين الدول التي تعرضت لها، لكن أسوأ الدول حالاً كانت إمبراطورية النمسا-المجر. ومن أسباب ذلك أن هذا المجتمع لم يتعرض للموجتين الأولى والثانية من الفيروس في السنوات السابقة، وإنّما ضربته الموجةُ الأخيرة فقط. فالفيروس يراكم قدرتَه أيضاً على مدار السنين، وقد كان الفيروس في الموجة الثالثة أكثر فتكاً، وانقضّ على مجتمع لم تتعرف مناعةُ أفراده عليه من قبل. فكانت نسبة انتشاره في هذا المجتمع أسرع وإمراضه أشدّ.1

لسنا أمام خيارٍ واحد

لا يدّعي هذا المقال تقديمَ حلولٍ سحريّة لوباء أعجزَ أفذاذ العالم. وإنما يعرض تساؤلاتٍ تحتاج توضيحاً. أهمّها: ماذا بعد؟

إن لم تكن هناك إجاباتٌ واضحة، فهذه دعوة للتباحث في إجراءات تُحقِّقُ إبطاءَ العدوى لا منعها، إبطاءها إلى درجة تُمكِّن النظام الصحيّ من التعامل معها على مهلٍ دون أن يغرق. لكن في الوقت ذاته يُتيح لمجتمعنا أن يتقوّى ضدّ هذا الوباء. ومن المهم أن ندرك أنّها ليست ثنائية حادّة، بمعنى أنها ليست إما منع تجوّلٍ كامل، وإما اختلاط وحياة طبيعية عادية.

يجب أن نفكر بمرونةٍ أكبر وعيونُنا على هدف واضح. مثلاً، نستطيع أن نعيش حياةً طبيعيةً لأسبوع، ثم نُحجَرُ أسبوعاً أو اثنين. فنقوم بتوزيع الحالات عبر الزمن بموجةٍ من المرض (تسمح بتكوين مناعة) ثم فترة من الهدوء (تسمح بالتعامل مع الحالات الناتجة). أو نستطيع مثلاً أن نسمح بعودة الحياة للجامعات، مع الاستمرار في وقف المدارس، فينتقل المرض بين جيل الشباب أسرع من انتقاله بين الكبار، وتكون بؤر وصوله لعامة المجتمع وكبار السّن تحديداً أقلّ؛ كون الأطفال أكثر احتكاكاً معهم.

ولو لاحظنا بؤرةً انتشر فيها المرض بشكلٍ سريعٍ حَجرناها إلى أن “تبرد”، بغير حجرِ كلّ المدن دفعةً واحدة. وبدلاً من منع التنقل بين كلِّ المدن، قد ينفعُ منعُ التنقل بين الشمال والجنوب. وليس من المعقول أن يُتخذ نفسُ الإجراء في كلِّ من بيت لحم وجنين، في حين أن الأخيرة لم تُسجل فيها أية حالة.

الخيارات كثيرة، إلا أن الحلول لا تُقَرّ بالتفكير المجرد. وإنّما يجب أن تكون مبنيةً على البيانات والإحصاءات في ظلّ إدراكنا لقدرات منشآتنا الصحيّة وعادات شعبنا وسلوكه، وأن تأخذ بعين الاعتبار أنماط انتشار الوباء من خلال زيادة الفحص. لكن للأسف، لم تزد عدد الفحوصات التي أجريت حتى اليوم (28 مارس/آذار2020) عن الأربعة آلاف وثمانمئة عينة، والتكتم على المعلومات و”الحجر” على المعرفة هو السائد.

لا يهدف هذا المقال للترويج لأيّ حل، وإلا وقع فيما ينهى عنه. وإنّما يدعو إلى أن تكون القراراتُ مبنيةً على معايير واضحة توازن بين المصلحة الآنية والأثر البعيد، لا أن تكون مجرد ردود فعلٍ على حالة الذعر العالميّ والمجتمعيّ، أو محاولةً لإثبات شرعية النظام السياسيّ والتستّرعلى فشله الذريع في توفير جهاز طبيّ لائق. كما يجبُ إشراك المختصين، وإطلاعُ المجتمع على آليات القرار والمنطق المتبع أمرٌ مهمٌ للغاية. وإلا كانت اعتراضات المختصين كثيرة، وتشكيك المجتمع كبيراً.

كما أنّ محاولة سوق المجتمع بممارسةِ مزيدٍ من العنف ومظاهر السيطرة، بغيرِ اهتمامٍ بحاجات الناس، قد ينفعُ في البداية، إلا أنه في النهاية يُنتج آثاراً عكسيّة ويحطم ثقة الناس وتعاونهم. فلا طريق إلا الوضوح، ولا معنى لإخفاء المعلومات بحجة تجنب نشر الذعر، فلا يُخيفنا أمرٌ أكثر من المجهول.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر موقع أخبار الإخباري