الأخبار

هل قصة الحمامتين والعنكبوت على باب الغار صحيحة؟

هل قصة الحمامتين والعنكبوت على باب الغار صحيحة؟

نابلس-شبكة أخبار فلسطين \ كتب الدكتور ناصر الشاعر ( المحاضر في كلية الشريعة بجامعة النجاح الوطنية)
حول جدلية العلاقة بين السنة والسيرة :

فقد كان الصحابة يعلمون أبناءهم سيرة الرسول ومغازيه كما يحفظونهم الآية من كتاب الله تعالى.
ولا تتعجلوا بنسف كل ما توارثته الأمة في السيرة النبوية بحجة أنه لم يتم نقله بالسند الخاص بعلم الحديث. فالتشدد برواية الحديث إنما كان لأنه لا يجوز بناء الاحكام الشرعية على أمور غير موثوقة تماماً. أما أحداث السيرة النبوية وسير الخلفاء والصحابة فليست بمستوى السنة في الحجية والتشريع. وهو ما جعل العلماء لا يتشددون بشروط روايتها. فما لم يتم نقله من السيرة بالسند الصحيح وفق مصطلح الحديث ليس بالضرورة أن يكون باطلاً. إنما لم يتوافر لنقله ما توافر للحديث الشريف وكفى. ذلك أن أهل العلم لم يشغلوا أنفسهم بذلك. ومعلومٌ أنه كلما ازداد قدر الأمر ازدادت شروطه وازدادت أهمية التوثق فيه. أما السيرة والسير عامة فهي من جنس الحكايات التي يكفي لها أن لا يكون راويها من المعروفين بالوضع والكذب أو من المغرضين المطعون في دينهم وانتمائهم.
ثم ما المشكلة في أحداث السيرة كحكاية الحمامة والعنكبوت على باب الغار مثلاً، خاصةً ونحن نتكلم عن قوة الله ومشيئته التي لا حدود لها. وهو تعالى ينصر أولياءه بما يشاء من وسائل ومخلوقات مهما بدت لنا ضعيفة وبسيطة. وهنالك حكمة باللغة الانجليزية مفادها أنك إذا كنت تتحدث عن عظمة الله وقدرته فكل شيء ممكن ولا شيء مستحيل.
ثم هل في السيرة وأحداثها كحكاية الحمامة والعنكبوت ما يعيب أو يخجل أو يتعارض مع العلم والعقل والمنطق حتى نسعى للبراءة منها؟
وهل فيها ما يتعارض مع مبادئ الإسلام وقواعده ونصوصه حتى نسارع لإنكارها؟
وإننا نحن البشر تحدث لنا كرامات وعجائب وتوفيقات بتوفيق من الله تعالى مع ما نحن عليه من خطايا وذنوب وتقصيرات بجنب الله. فكيف نستبعد أن يحدث مثل ذلك لنبي الله الذي اختاره لحمل دعوته وتعهد بحمايته وجعل له معقبات يحمونه من بين يديه ومن خلفه!
صحيحٌ أن أحداث السيرة بتفاصيلها ليست من أركان الإيمان ولا من شروط الاعتقاد. لكن الأمر لا ينعكس إلى ضده إلى درجة جعل إنكارها من متطلبات الإيمان والإسلام. فهذا لم يقل به أحدٌ من علمائنا الأجلاء قديماً أو حديثاً بل ولم يقل به زنديق.
المشكلة أن الأمر لا يتوقف ببعضهم عند إنكار حكاية الحمامة وبيت العنكبوت، بل يتعداه لإنكار قضايا غاية في الأهمية كوثيقة المدينة التي سبقت المواثيق الدولية المعاصرة حول المواطنة والشراكة والحريات الدينية. وبعضهم ينكر أحداثاً في فتح مكة كعفوه عليه السلام عن الناس وقوله لهم اذهبوا فأنتم الطلقاء. وبعضهم يشكك بالعهدة العمرية. وهكذا يتم الانقضاض على السيرة النبوية بالتدريج وباسم التوثق وتنقية الدين مما ليس منه كما يزعمون.
وأحياناً يستند بعضهم إلى هذا المختص أو ذاك في علم الحديث المعاصرين حيث يقول بأن هذه الحادثة أو تلك ليست صحيحة السند. ولست أدري كيف يحاكم بعضهم السيرة بأسس محاكمة السنة والحديث الشريف مع أن السيرة لم تحظ بنفس اهتمام ونفس رجالات نقل السنة والحديث! ثم إن العلماء قديماً وحديثاً قد ميزوا بين السنة والسيرة من التعريف وحتى الحجية فكيف نحاكمهما لنفس الأسس! ولماذا تساهل العلماء في شروط نقل السيرة سابقاً ولم يطبقوا عليها شروط نقل الحديث بينما بعضنا اليوم يتشدد بل ويتعسف في التعامل مع السيرة خلافاً لعلماء السلف ثم لعله ينسب نفسه لأهل السلف تعالياً وتطاولاً.
وإذا كانت كل أمةٍ من أُمم الأرض تبحث عن أي أثارةٍ من علم أو قُصاصة أو حادثة في تاريخها الطويل ومواقف قادتها وأبطالها وتسلط الضوء عليه لتصنع منه ذخيرة وقدوة للأجيال المتتابعة ومفخرة أمام الأمم وتعمل لذلك المتاحف والمعارض، فما بال بعضنا يسعى للتشكيك بتاريخنا وبسيرة نبينا وصحبه الكرام بدل تخليد محطاتها التي هي مفخرة لنا وللإنسانية جمعاء! واأسفاه! ألا يكفي ما يقوم به أعداء هذا الدين من حرب على نبينا وتاريخنا حتى نشاركهم في حمل معول الهدم وتجريء المترددين للانقضاض على ما تبقى لنا من مجد قديم! فلا نحن صنعنا مجداً جديداً لأنفسنا وللبشرية ولا نحن حافظنا على ما صنعه أجدادنا من مجد قديم.
لهذا أدعوكم أحبتي المتسرعين إلى مراجعة نظرتكم للسيرة وأحداثها والتوقف عن التشكيك بأحداثها والعودة لاحترام تاريخ الأمة وعدم السماح بنسفه قطعةً قطعة.
وهذا يكفي
مع أن في البال الكثير لقوله
وتحياتي
د. ناصر الدين الشاعر
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
عميد كلية الشريعة ووزير التربية والتعليم العالي سابقاً
فلسطين

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر موقع أخبار الإخباري