الأخبار

حول مشروعية زيارة القدس

مقالات-شبكة اخبار فلسطين:

كتب: د. ناصر الدين الشاعر
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
عميد كلية الشريعة سابقاً في جامعة النجاح
فلسطين

حول مشروعية زيارة القدس
أحبابي الكرام
الاخوة والأخوات
السادة العلماء الأجلاء
منذ عقدين من الزمن وقضية زيارة القدس والأقصى لغير الفلسطينيين مثار جدل ديني ووطني. فريق يرى حظرها باعتبارها طريقاً لتطبيع علاقات العرب مع الذين يحتلون القدس. وبالتالي فالأولى حظرها لقطع الطريق على المطبعين من بعض الحكام والسياسيين وغيرهم. وأن الأولى بالعرب أن يأتوها فاتحين محررين بدلاً من زيارتها تحت حراب المحتل وسلطاته.
والفريق الآخر يرى عدم حظرها لما تقدمه من دعمٍ للقدس والمقدسيين خاصةً وللفلسطينيين عامةً. وأنها كزيارة التضامن مع السجين ولو بالتنسيق مع السجان. وإذا حيل بين غالبية الفلسطينيين ودخول القدس، فلا أقل من ترك الباب مفتوحاً أمام المسلمين من شتى أنحاء العالم لزيارة القدس مما يشكل رافداً ودرعاً حامياً للأقصى. فضلاً عن خلق الترابط العضوي بين القدس وملايين المسلمين من شتى الجنسيات.
وبعيداً عن المناكفات،
والتزاماً بالحكم الشرعي وتنزيله على الواقع تنزيلاً صحيحاً،
وعملاً بالمصلحة العامة التي رعتها الشريعة،
فيمكن الجمع بين الآراء من غير تناقض ولا تعارض.
فنحن نعلم حض النبي عليه الصلاة والسلام كافة المسلمين على زيارة بيت المقدس وشد الرحال إلى المسجد الأقصى المبارك وإرسال الزيت ليسرج في قناديله حتى يبقى شعلةً مضيئةً على مر الأيام. وهو أمرٌ لا نملك مخالفته ولا الدعوة إلى نقيض ما يرشد إليه. ولا الدعوة إلى خلاف منطوقه الصريح. بل ونحن لا نشك بوجود حكمةٍ دينيةٍ ودنيويةٍ وراء هذا الأمر الشرعي بزيارة القدس ودوام شعلة الأقصى متقدةً بل وإلى حد تبني الموت في أكنافه. وهي دعوة للمسلمين على امتداد الزمان واختلاف الظروف. ولهذا استمرت الوفود في شد الرحال إلى بيت المقدس حتى وهي تحت حصار الغزو الفرنجي أيام الحروب الصليبية.
ولكن، ولتجنب سلبية التطبيع التي أشار إليها الفريق الثاني، فيمكننا استثناء من كان هذا قصده من الزيارة من المسؤولين وسواهم، ولكن ليس لحرمان سائر الناس الذين يريدون شد الرحال للقدس والأقصى.
وبهذا يحصل التوفيق بين الآراء بدل تضاربها.
والمشكلة هنا ليست في النصوص الدينية،
ولا حتى في فتاوى العلماء،
إنما في الذين يريدون تجيير كل ذلك لمناكفات وخصومات وحسابات شخصية وهمية.
والموقف الصحيح إنما يكون في دراسة الواقع دراسة صحيحة وتنزيل النصوص عليها تنزيلاً صحيحاً. فضلاً عن انطلاقنا من مقاصد التشريع ومن المصلحة الحقيقية التي دعت الشريعة لمراعاتها.
وقد يتساءل البعض عن توقيت هذا الموقف وعن مبرر التغيير في الموقف المشهور المعهود عن علماء الشريعة والذي كان يحظر زيارةالقدس باعتبارها تطبيعاًً.
فأقول بأن الناس بالغت في فهم الموقف السابق لجهة المنع مع أن قول أشد العلماء في الحظر إنما كان يربط المسألة بالتطبيع وليس كحكمٍ مطلق مجرد من الأسباب. فلا يخفى على عالمٍ حض النبي على زيارة القدس.
ثم ما المانع من إعادة النظر في فتوى معينة إن اكتشف العلماء عدم ملاءمتها للواقع وللمتغيرات؟ ونحن نعلم جواز تغيير الفتوى إذا ظهر ما يدعو لذلك. فالطبيب يصف الدواء للمريض وقد يغيره إذا ظهرت آثار سلبية له على المريض. والعلماء لا يضرهم أن يقال أنهم غيروا رأيهم. فللشافعي فقهه القديم وفقهه الجديد. وغيره كذلك. ولا يعيبنا التغيير إن اكتشفنا الداعي والمبرر. علماً بأنني، والله على ما أقول شهيد، لا أرى حظر الزيارة بحجة التطبيع منذ اللحظة الأولى، والكثيرون يعرفون ذلك. وقد ناقشت العديد من العلماء وسواهم في المسألة.
ثم إن الحظر لم يمنع المطبعين من مسعاهم، إنما منع المؤمنين من شد الرحال إلى المسجد الأقصى.
لذا، فقد آن الأوان لإعادة النظر بالمسألة لجهة توضيح الفرق بين المسألتين وبين المقصدين وبين الحَجين.
وأنا أعلم أن بعض الناس سيستخدم كلامي لأغراض غير بريئة. كما أعلم أن بعض الناس سينقض علي بالهجوم إما غيرةً وإما تسرعاً وإما لغرضٍ في نفسه ما هم ببالغه بعون الله وحفظه. ولنترك هؤلاء لنواياهم، والله يتولى عباده.
وفي المجمل والختام:
فإن منع كافة الناس من زيارة القدس وشد الرحال إلى الأقصى بذريعة الخوف من التطبيع الذي يسعى إليه البعض لم يعد هو الموقف السليم حتى لو كان كذلك في وقت سابق من وجهة نظر فريق.
راجياً أن لا يفتح ذلك باباً من المناكفات غير المجدية. فإن كان ولا بد، فبالحوار والدليل وبالتي هي أحسن. فإن الشيطان ينزغ بين الناس.
 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر موقع أخبار الإخباري