الأخبار

تقدير موقف.. هل نحن على أبواب صفقة تبادل أسرى؟

آفاق مبادرة حركة حماس لصفقة تبادل أسرى

إيناس مومنة\ مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني

المقدمة:
صرح رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في غزة يحيى السنوار في لقاء متلفز، بتاريخ، 2/4/2020، عن تقديم تنازل جزئي، في موضوع جنود الاحتلال الإسرائيليين لدى الحركة، مقابل إفراج الاحتلال عن الأسرى الفلسطينيين، كبار السن، والمرضى، والنساء، والأطفال، كبادرة إنسانية في ظل أزمة كورونا.
فيما تلا هذا التصريح تأكديات من قيادات في حركة حماس على هذه المبادرة منها ما تزامن مع توقيت يوم الأسير الفلسطيني 17/4/2020، حيث تم على مدى هذه الأيام دفع الكرة بملعب الحكومة الإسرائيلية، بشأن مفاوضات غير مباشرة عبر وسطاء بين الطرفين، علماً أن هذه المفاوضات كما تم التصريح من داخل مكتب حماس لن تتم دون خطوة أولى من الاحتلال الإسرائيلي، وهي الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين المحررين في صفقة التبادل التي جرت عام 2011.

جاء الرد من مكتب نتنياهو بتاريخ 6/4/2020، أنهم مستعدون لفتح الحوار مع الوسطاء بشأن الجنود المفقودين لدى حماس، ولكن لم يلحق هذا الرد الإعلامي أي خطوة على أرض الواقع، حيث أكد مكتب حماس بتصريح صحفي صدر بتاريخ 7/4/2020، أن ما تقوم به إسرائيل “بروبوغاندا” ولا تسعى باتجاه تسوية الملف. حيث يتضح أن حكومة نتنياهو تحاول الصمت بشأن جنودها أمام المجتمع الإسرائيلي، بينما الطرف الآخر (حماس)، تفتح الملف من جديد، وتذكر إسرائيل به، تحديداً في ظل ما يعانيه قطاع غزة من تضييق خانق، خاصة في الآونة الأخيرة بسبب فيروس كورونا، وما يشكل من تهديد كبير على القطاع الصحي، والإنسانية ككل في غزة.

توقيت اختطاف الجنود الإسرائيليين
اليوم، حماس تعيد فتح ملف الأسرى، وتدفع تجاه إجراء مفاوضات حول صفقة تبادل محتملة، السؤال الذي يطرح نفسه، إلى أي مدى يمكن أن تتجه المفاوضات بين الطرفين للمضي قدماً في تسوية ملف الأسرى؟ وما هي السيناريوهات المحتملة لصفقة تبادل أسرى ثانية بين حماس والحكومة الإسرائيلية؟

أولاً: دوافع حماس لفتح ملف الأسرى الآن
يفتح ملف جنود أسرى حرب عام 2014، ما بين حماس والحكومة الأسرائيلية للمرة الثالثة، حيث خلال أعوام 2016، 2018 ، تم الحديث عن أجواء إيجابية بشأن التفاوض ما بين الطرفين، ولكن بقيت حديثاً ولم يُشهد أي تحرك سياسي. إعلان مكتب حماس عن لمباردة هو تحول براغماتي، وتشكيل فرصة من الممكن أن تلتقطها الحكومة الإسرائيلية. ويمكن ذلك نتيجة الشعور بجمود ملف الأسرى منذ سنوات، دون تحرك تجاه أي خطوة إيجابية، أو تنازل من أحد الطرفين بشأن الملف، فحماس إلى اليوم لم تصرح عن مصير الجنود، والكيان الإسرائيلي، يتماشي مع تكتيك حكومة حماس، كونه استطاع إقناع الجمهور الإسرائيلي بأن الجنود “المفقودين” هم جثث، وهذا يخفف من ضغط عوائل الجنود على الحكومة الإسرائيلية في التحرك بشأن صفقة تبادل يكون طرفيها جثث جنود، مع أسرى فلسطينيين يحملون أحكام عالية، ومؤبدات، فكلما طال أمد الملف، كلما خبا أكثر في الداخل الصهيوني، وكلما زادت القناعة بأنهم جثث.
وجاء توقيت الإعلان فيما يعاني منه العالم، وقطاع غزة تحديداً من جائحة كورونا، فقدمت حماس المبادرة بقالب إنساني من الدرجة الأولى، وطالبت بالإفراج عن الأسرى الذين من الممكن أن يشكل فيروس كورونا خطراً حقيقاً عليهم، في حال تفشيه داخل السجون الإسرائيلية، أيضاً الوضع المتردي للقطاع المحاصر منذ منتصف 2007، وحاجته للكثير من مقومات القطاع الصحي، دافع وراء إطلاق المبادرة، لفتح المعابر وتحقيق هدنة طويلة الأمد مع الكيان الإسرائيلي. إلى جانب الهدف الأهم بالنسبة للحركة وهو الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين.

ثانياً: مدى جدية الرد الإسرائيلي على مبادرة حماس

صرح نفتالي بينيت وزير الأمن الإسرائيلي، بتاريخ 1/4/2020، أن إستعادة الجنود المحتجزين لدى حماس، هو اشتراط لتقديم تسهيلات لغزة . وجاء هذا رد على مطالب حماس عبر الوسطاء للضغط على الاحتلال لعدم تعطيل مرور الاحتياجات الإنسانية والصحية للقطاع في ظل انتشار فيروس كورونا في العالم. وفي بيان صدر عن ديوان رئيس الحكومة الإسرائيلية بنينامين نتنياهو، فإن مفوض نتنياهو لملف المفقودين يرون بلوم، ورئيس مجلس الأمن القومي مئير بن شبات جاهزان لإجراء مباحثات بناءة عبر وسطاء.
عدا ذلك لم تخرج تصريحات مباشرة من قبل مكتب نتنياهو، أو أحد قادة الكيان الإسرائيلي، يبدو أن الحكومة الإسرائيلية إلى الآن غير مضغوطة بشأن جنودها لدى حماس، والعامل الأساس في ذلك، أن الكيان الإسرائيلي كان قد أقر بموت الجنديين شاؤول آرون وهدار جولدن وأقام جنازة رمزية للأخير ، وأقنع المجتمع الإسرائيلي والرأي العام بذلك. وهي تنتظر من حماس أن تكشف عن ما لديها، ومع تعمق سنوات جمود ملف الأسرى إزدادت القناعة لدى المجتمع الإسرائيلي، بأن الجنود في اعداد الموتى، لكن هذا لا يعني التخلي أو التهاون بملف أسراها لدى حماس، فإسرائيل لم تترك أي ملف أسرى وتاريخها يشهد على أربعة صفقات قد عقدتها مع تنظيمات فلسطينية وهي، صفقة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عام 1985 ، وكانت في عهد إسحق رابين، وصفقة حزب الله عام 2002، في عهد أرييل شارون، وصفقة حزب الله عام 2008، في عهد إيهود أولمرت، وآخرها صفقة جلعاد شاليط مع حركة حماس 2001، في عهد نتنياهو . بالتالي إسرائيل متقبلة لخوض صفقات تبادل أسرى، وكثيراً ما تعول على هذا الملف في دعايتها الانتخابية، والجمهور الإسرائيلي يدفع بحكومته بهذا الاتجاه، تحديداً إذا كان هناك ضغط وحشد إعلامي كبير من قبل عائلات الجنود الأسرى، كما الأجواء التي سبقت صفقة تبدل الأسرى مع جلعاد شاليط. وفي ضور الانقسام الكبير حول نتنياهو داخل المجتمع الإسرائيلي، وقضايا الفساد التي لاحقته، إلا أن صفقة كهذه من الممكن أن ترفع أسهمه تحديداً إذا صرحت حماس عن جنود أحياء.

السيناريوهات المحتملة
أولاً: عدم التقدم مطلقاً في ملف الأسرى
يفترض هذا السيناريو أن مباردة السنوار لن تحرك ملف الاسرى، فبعد مرور أكثر من أسبوعين على المبادرة لم يتحرك الطرفين، عدا عن أن حركة حماس نفت إحراز أي تقدم في ملف تبادل مع إسرائيل، حيث صرح دودين، المسؤول عن ملف الأسرى، أن هناك تعطيل من الحكومة الإسرائيلية، ونفى قرب التوصل إلى صفقة وشيكة.
يحمل هذا السيناريو صعوبات ستواجه طرح المبادرة في هذا التوقيت، بداية متعلق بالوضع الإسرائيلي المتأزم وعدم تشكيل حكومة الكيان للمرة الثالثة، فيصبح ملف الأسرى ذا أولوية أقل، والآخر متعلق بطرح غير واضح للملف يحفه الغموض، فحماس لم تكشف أي معلومات حول الأسرى من شانها أن تستفز الحكومة الإسرائيلية، بالتالي الآخيرة هي مطمأنة لروايتها أن الجنود قتلى، وهذا يضعف ضغط الجمهور والإعلام الإسرائيلي تجاه ملف الأسرى.
في هذا السيناريو ستبقى حماس تلوح بملف الأسرى للضغط على الحكومة الإسرائيلية، من أجل فك بعض أزمات قطاع غزة، وستبقى الملف لوقت آخر تستخدم فيه تكتيكاً أكثر إخضاعاً لإسرائيل . بالنسبة لإسرائيل، ستتجنب المسير قدماً نحو صفقة آسرى، لأن وضع الحكومة الحالية هو أضعف من خوض صفقات كبرى، كون الحديث عن جنديين، ومواطنين إسرائيليين من أسرى الكيان يطولهما الملف أيضاً. يمكن ضعف هذا الطرح، بالتعويل على أي معلومات مفاجئة قد يقدمها إعلام كتائب القسام الذراع العسكري لحركة حماس للإحتلال الإسرائيلي، وإرغامه على خوض الصفقة.

ثانياً: تفكيك جمود ملف الأسرى
يقوم هذا السيناريو على أنه يمكن خلال الشهور القادمة، أن يحدث اتفاق جزئي وفقاً للمبادرة المطروحة بحيث تتحقق مفاوضات بين الطرفين حول المعلومات عن الجنود الأسرى، والحديث حول صفقة إنسانية، تستطيع حماس من خلالها، تحقيق بعض المكاسب لصالح قطاع غزة، في ظل ما يشهده الكيان الإسرائيلي من أزمة وباء كورونا.
ثالثاً: بدء المفاوضات بين حماس والحكومة الإسرائيلية
يقوم هذا السيناريو على تعاطي كلا الطرفين حماس والحكومة الإسرائيلية مع ملف الأسرى بجدية، وذلك بعد كشف حماس عن مصير الجنود الإسرائيليين لديها كخطوة في تسريع عجلة المفاوضات والضغط على الحكومة الإسرائيلية من خلال المجتمع الإسرائيلي، فسنشهد خطوات على أرض الواقع ومفاوضات غير مباشرة عبر الوسطاء، وفي حال كان أحد الجنود أو كلاهما حياً، هذا سيسرع من عملية تبادل الأسرى، وسيكون الثمن كبير لصالح حركة حماس، ولكن في حال أن الجنود قتلى لن تحقق حركة حماس الكثير وربما يتأخر الملف أكثر. وهذا السيناريو هو المفضل اسرائيليا وللمجتمع الإسرائيلي، وترتكز النقطة الأساسية في هذا السيناريو، في الرهان على كشف حماس عن مصير الحنود لديها، وسيكون ذلك ضمن سقف سيتجاوز الشهور وربما العام.

الخاتمة
شكلت مبادرة حماس، خروج عن الصمت من كلا الطرفين حول ملف الأسرى لسنوات، وجاءت هذه المبادرة في ظل وضع إنساني صعب يحف بقطاع غزة، وفيروس كورونا من الممكن أن يشكل خطر على الأسرى الفلسطينيين لدى الكيان الإسرائيلي، ولكن يبقى الحديث عن صفقة تبادل أسرى مرتبط بترتيبات الكشف عن الجنود لدى حركة حماس، ومرونة الحكومة الإسرائيلية، في محاكمة الأسرى الذين أعيد اعتقالهم بعد صفقة شاليط، وهذه خطوة أولى فقط على سلم عملية تبادل طويلة الأمد. \

تحرير: سامر خويرة