الأخبار

“بذاكرتها الخارقة”… الطفلة الكفيفة سجى خلة تغلب الكبار

غزة- خاص قُدس الإخبارية: هل تحفظ القرآن الكريم؟ ومعه ألفية ابن مالك؟ ومعه متن والآجرومية ومنظومة الجزرية والمواريث والمعلقات الشعرية بأبياتها وشرحها!؟، غالبًا؛ لا!، لكن بطلة قصتنا اليوم الطفلة الكفيفة سجى خلة من منطقة بيت لاهيا بمدينة غزة استطاعت حفظ ذلك ولم تتجاوز بعد أحد عشر عامًاـ ستوقد شعلة ميلادها الأسبوع المقبل.

ولدت سجى كفيفة؛ ورجح الأطباء السبب بأن يكون نتيجة القنابل الفسفورية التي ألقتها طائرات الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2008م؛ لمّا علم والدها أنها كفيفة، تضرع بالدعاء إلى الله: “اللهم علمها وأعني على تعليمها”؛ فكان والدها سعد خلة (37 عامًا) وهو دكتور في الفقه المقارن، “جامعة لابنته” رفض عروض التدريس، وفرغ نفسها واكتفى بهذه الشجرة، كي يكرس جل وقتها اليومي لتعليمها أشياءً عجز الكبار على حفظها.

صاحبة الذاكرة “المذهلة” حفظت القرآن الكريم كاملا، وألفية ابن مالك في النحو والصرف بأبياتها الألف، المعلقات الشعرية الجاهلية السبع بحفظ مفرداتها والبالغة 600 بيت، متن الأجرومية في النحو بشرحه، تحفة الأطفال في التجويد والبالغة 61 بيتا، منظومة الجزرية في التجويد والبالغة 109 أبيات، الأربعين النووية، متن الرحبية في المواريث بشرحه، إعراب سورة البقرة كاملة، كتاب محاضرات في علم النحو.

اكتشاف الموهبة

عام 2014م وبينما كانت شرارة العدوان الإسرائيلي قد بدأت، واحتمى الناس في بيوتهم خوفًا من الصواريخ وتعطلت الحياة في غزة 51 عامًا، مثل ذلك فرصة لسعد خلة لاغتنام الوقت لتعليم ابنته سجى “شيئًا ينفعها” ما إن بلغت أربع سنوات ونصف.

يتوقف هنا في حديثه لشبكة “قدس الإخبارية“: “بدأتُ تحفظيها سورة “الرحمن” بطريقة التلقين، وهنا اكتشفت أن لديها قدرة هائلة وذاكرة قوية جدًا تعينها على حفظ القرآن، ومن هنا بدأت استثمار ذلك”.

يبتسم صوته: “أتدري! في يومٍ واحد، حفّظتها 39 صفحة من القرآن الكريم في عدة جلسات متفرقة، وكان بإمكاني أن أزيد وبمقدورها التحمل (..) تبدأ طريقتي التلقين، ثم أقرأ عليها الآية مرة ثانية، وتعيدها، وتحفظها ثم أنتقل إلى آية أخرى حتى نهاية السورة القرآنية، ومن ثم نبدأ المراجعة التي أعطيها ثلثي الوقت”. يضيف: “لا أبالغ إن قلت إن فترة تحفظيها القرآن الكريم لم تستغرق سنة واحدة”، بهذا يدلل على قدراتها الكبيرة.

لكن لم يخلو الأمر من محفزات رصدها الأب لابنته، يقول: “كنت أسجل لها مقاطع فيديو مصورة، وصوتية، فتكون سعيدة بمجرد أن تسمع صوتها، وفي نهاية كل جزء قرآني أعد لها حفلًا بسيطًا وأحضر لها هدية، أو أعدها أنها بمجرد أن تحفظ سورة أننا سنخرج إلى مشوار ترفيهي”.

“قرأت عليها القرآن ثلاث مرات، ولما رأيتها أتمته بصورة مرضية منها، خففت عنها المراجعة، في المرة الأولى راجعت جزءًا ونصف يوميا، وفي الثانية ثلاثة أجزاء، ثم جزأين خلال مراجعتي لها خلال أزمة جائحة “كورونا”. يسرد والدها.

للمفارقة، فإنه ربما يستغرق الطالب الجامعي فترة “لا بأس بها” لحفظ متن الرحبية في المواريث بشرحه، إذ تحتوي على 176 بيتًا، يعلق والدها بضحكة سبقت صوته: “عمّها الذي تخرج من الجامعة حفظ ثلاثين بيتا من المنظومة فقط، أما سجى حفظتها في يوم واحد”.

يجري والدها اختبارً سريعا لها أثناء المقابلة، يدللا عمليًا على قدراتها، فيسألها: “توفي رجل عن زوجة، أم، بنت، جدة، أخت، شقيقة فكم نصيب كل واحد منهم”، ربما يحتاج الأمر منا لتدوين الأسماء على ورقة، أو مراجعة كتب المواريث لوضع الحل والتفكير، إلا أن الأمر كان مختلفا لسجى فأعطت الإجابات فورية دون تفكير: “الزوجة الثمن، الأم السدس، البنت النصف، الجدة محجوبة، الأخت الشقيقة عصبة مع الغير”.

الوقت الثمين

على ركن زاوية الشارع أمام منزلهم، وأثناء انتظار الحافلة التي تقل سجى لمركز “النور” للمكفوفين، مثلت فترة الانتظار “وقتا ثمينا” استثمره الأب، قبل مجيء الحافلة بعشرين دقيقة، لتحفظيها “ألفية ابن مالك” بأبياتها الألف، على مدار ستة أشهر، “كان الناس يستغربون، مني حينما أمسك الكتب، وأراجع مع ابنتي حتى أن نائبا بالمجلس التشريعي استوقفني مرة وسألني ماذا أفعل، وأشاد بما أفعله” يقول.

بعد الألفية شرح لها كتاب “الوجيز” بالنحو والصرف، ثم كتاب محاضرات بالنحو الذي يحتوي على 200 صفحة، ثم متن الآجرومية في النحو والتي تحتوي على 450 صفحة، والكتاب الأخير حفظها إياه في فترة الانتظار للحافلة والعطلة المدرسية، وفي عامين حفظت إعراب سورة البقرة كاملا.

“كيف تدرك هذه الأشياء المعقدة؟ ألا تشعر أنك تتعامل مع طفلة، أو طالب حديث؟” سبق رد والدها العفوي، ابتسامة امتزجت بالرضا: “حينما أدرسها كأنني أشرح لطالب لديه خلفية عن كل هذه الكتب، الأمر المساعد هنا أن الله أكرمها بذاكرة قوية”.

كثيرة هي المواقف التي يغلب فيها الطالب أستاذه، السنة الماضية سجل والدها 36 حلقة فيديو دينية خاصة، وكانت سجى هي التي تراقب الأخطاء النحوية لوالدها إن سقطت منه سهوًا، طفلة في الحادية عشرة من عمرها، تصحح على دكتور في الفقه المقارن، يعترف راضيا وفخورا في نفس الوقت في ثمرة تعبه: “الاعتراف بالحق فضيلة، بالفعل كانت تعدل عليّ وتنبهني للأخطاء”.

أعدت مذيعة لقناة فضائية تقريرا مصورًا عنها قبل عامين، وأثناء مشاهدة سجى للتقرير، عدت لوالدها خمسة عشر خطأ لغويًا ونحويًا لها، يستذكر والدها: “جاءتني تضحك: ايش هذا يابابا كتير هالمذيعة بتلحن”.

وفي مدرستها “مركز النور” الخاصة للمكفوفين، تتربع سجى على الترتيب الأول في تحصيلها الدراسي.

جامعة وحلم

ربما السؤال المحير للكثيرين؛ كيف يستطيع والدها الموازنة بين عمله وتعليم سجى؟، يجيب “أكرمني الله بوظيفة في الوعظ والإرشاد، وكوننا معافين من الدوام الإداري، هذا يساعدني كثيرا، ومنذ عملي بالوظيفة الحكومية أكافح كي أبقى بعيدا عن الدوام الإداري، للتفرغ لابنتي، رفضت التدريس بالجامعات لأجلها، يكفيني أن أكون جامعة لسجى ويكفيني أن تكون بألف جامعة، يمكن أن يدرس المحاضر ثلاثين أو خمسين شابًا، لكن يكفيني أن أخرج بثمرة واحدة، في فترة أمر بضغوط مثلا إعداد رسالة بحثية، فكنت أحاول تقديم سجى على نفسي، ورغم أن لدي بنتان وولد لكن التفوق جاء لسجى”.

ورغم كل ما سبق، إلا أن حلم هذه الطفلة هو تعلم اللغة الانجليزية، تريد إرسال “رسالة الإسلام لغير المسلمين”، وفي ذلك خاض والدها رحلة كفاح: “في المرة الأولى ذهبت لتسجيلها بمركز تعليم للغات فرفض، كونها صغيرة وكفيفة، فلن “تستطيع استيعاب الشرح بنظرهم”، فذهبت لمركز ثان، ورفض لكن أصريت أن تكون مجرد مستمعة مع دفع الرسوم”.

“عاندت وكنت مستعدًا لدفع أضعاف الرسوم كي تبقى”… يتابع: “في اللقاء الأول والثاني كان المحاضر لا يلقي لها بالا، ويتعامل معها أنها كفيفة ولن تستوعب شيئا، كونها طفلة صغيرة، فأقرانها في المركز من طلبة الجامعات والثانوية العامة، إلا أنها فاجأت الجميع بقدراتها وحصلت على تقدير امتياز في المستوى الأول والثاني وطلاب المركز من المرحلة الجامعية حصلوا على جيد”.

كثيرة هي المفاجآت التي أذهلت بها سجى والدها، كانت هنا إحداها: “عدت من العمل، فوجدتها تركض نحوي: بابا عملت لك مفاجأة، لأجدها قد كتبت رسالة على ورقة، أعجبتني كلماتها الجميلة، عرضتها على زميل لي فدهش من الأسلوب، وقال: أتحدى إن استطاع بعض من طلبة الجامعات الكتابة مثلها”.

يكاد الأمر يكون روتينيًا، يبدأ خلة بتدريس وتحفظيها عبر ثلاث أوقات يومية، بمعدل أربع ساعات، مع كل يوم تكتسب سجى علما جديدًا، تخوض سباقا مع الزمن في التعلم، “لا تكل أو تمل”، تزاحم الكبار في العلوم والمعرفة؛ ربما كان “الفسفور” سببا في إعدام بصرها، لكن لم يعدم بصيرتها التي بقت نيرة بحلمها.