الأخبار

العنف في المجتمع الفلسطيني.. كيف يواجه؟

وفا- إيهاب الريماوي

في إحصائية رسمية.. سُجِل منذ بداية العام الجاري 34 جريمة قتل في المجتمع الفلسطيني، وهو ارتفاع بنسبة 42% مقارنة مع نفس الفترة من العام الماضي.

وأوصى مجلس الوزراء جراء هذا الارتفاع وزارة العدل بدراسة وإجراء تعديلات وملاحظات على قانون العقوبات الفلسطيني، حيث من المتوقع أن تطرح الوزارة على طاولة مجلس الوزراء خلال الفترة المقبلة قانونا يصفه الوزير محمد الشلالدة بالعصري، ويؤخذ فيه كافة المواثيق والاتفاقيات الدولية، ويراعي عادات وتقاليد المجتمع الفلسطيني بما يكفل الحماية القانونية للأسرة الفلسطينية من العنف.

ويقول الشلالدة لـ”وفا”: “ستطرح الوزارة توليفة جديدة لقانون الأحوال الشخصية ينسجم مع المعاهدات والاتفاقيات الدولية، والذي سيكون منظما للحماية القانونية للأسرة من العنف، إضافة إلى أنه يدور في فلك مجلس الوزراء مناقشات بالتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني حول قانون الحماية الأسرية من العنف، والذي سيخفف من ظاهرة العنف داخل المجتمع الفلسطيني عندما يتم اعتماده ونشره في الجريدة الرسمية؛ لأن فيه نصوص للعقوبات تكفل الحماية، على أن يتم استثناء كل ما يتعارض مع الشريعة الإسلامية منه، غير أن هناك نصوص فيه نحن بحاجة إليها”.

ويرتكز دور القانون في المساهمة بالحد من ظاهرة العنف في المجتمع الفلسطيني وفق الشلالدة؛ على مجموعة من العوامل الرئيسية القانونية، على رأسها التشريعات الفلسطينية، فمن ناحية قانونية يكفل القانون الأساسي الفلسطيني ويضمن الحماية القانونية للأسرة، إضافة إلى أن انضمام دولة فلسطين إلى العديد من المعاهدات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان الأمر الذي جعلها ملزمة بأن تكون موائمة لكافة التشريعات الوطنية بما ينسجم مع الاتفاقيات الدولية وعلى رأسها اتفاقية سيداو، واتفاقية القضاء على أشكال التمييز العنصري، واتفاقية الطفل، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، وكافة المعاهدات الدولية ذات الصلة.

كيف نعزز مواجهة العنف؟

وحسب الشلالدة فإن الحد من ظاهرة العنف لا يمر فقط عبر التشريعات والقوانين والاتفاقيات الدولية، وإنما من خلال نشر وتعزيز ثقافة الحماية القانونية لحقوق الإنسان وخاصة الأسرة، إضافة إلى أهمية رفع مستوى التربية والتعليم من خلال المدارس والجامعات بما يضمن حماية حقوق الإنسان، كذلك تعزيز المساعدة القانونية وتثقيف المجتمع بالدفاع عن حقوقه من خلال ذهابه إلى المحكمة من أجل استرداد حقوقه إن كان تعرض لعنف أسري أو جسدي أو نفسي أو اقتصادي أو جنسي، إلخ.

القضاء العشائري

ويرى الشلالدة أن القضاء العشائري إذا كان مساندا للقضاء المدني في السلم الأهلي وتطبيق مبادئ العدالة المجتمعية فإنه ليس بديلا؛ لأنه في نهاية المطاف هناك حق عام لا يسقط في المحكمة، غير أن إسقاط الحق الشخصي بالصلح والقضاء العشائري يخفف من العقوبة في المحاكم، لكنه من الأهمية أن يتم تنظيم ذلك وأن يكون مركب وفق القانون وليس بديلا عنه.

ويتفق القاضي العشائري الشيخ داهود الزير مع الشلالدة حيث يقول إن القضاء العشائري ليس بديلا عن القضاء المدني، بل هو داعم ومساند، لكن وفق الزير فإن هناك الكثير من الأمور لا تنتهي في القضاء المدني وتبقى عالقة يستطيع فيها القضاء أو الصلح العشائري التفريق فيها.

ويوضح الزير أن الإصلاح العشائري ضروري في كل الحالات حيث يبحث في البداية عن إمكانية تحقيق الصلح بين المتخاصمين، إضافة إلى أنه في ظل الوضع تحت الاحتلال وبمناطق لا تستطيع فيه الجهات الرسمية أن تأتي إليها، فهو يسرع لوضع الحد للفوضى وأخذ الثأر باليد.

ويرى الزير: “فلسطين بحاجة إلى الصلح والقضاء العشائري، لأنه في المحاكم المدنية تبقى هناك بعض القضايا عالقة عدة سنوات، فيما يظل باب الثارات مفتوحا إذا لم تتدخل العشائر”.

لا يغفل الزير بأن هناك مشكلة في بعض رجال الإصلاح الذين يعملون وفق مصالح وأهداف وهؤلاء يطلق عليهم بـ”المرتزقة” حسب وصفه، لكن هناك مصلحين يسعون من أجل إنهاء المشاكل وفق مبادئ أخلاقية يسيرون عليها، مؤكدا ضرورة أن يكون هناك تنظيم للصلح والقضاء العشائري وألا يكون مفتوحا لكل إنسان يعطي ويحكم حسب ما يرى، وإلى أهمية وجود مجالس عشائرية على غرار الأردن التي يختار مجلسها القضاة والمصلحين العشائريين من الشخصيات المعتبرة وصاحبة اليد النظيفة.

وينهي الزير: القانون يبقى قانونا، والقضاء العشائري يحكم بالسوابق، أما القانون المدني فله قانون مقر وله مواد وبنود، وفيه تشابه كبير بالقضاء العشائري، غير أنه يأتي من وراء السلطة التي تحكم، فيما أن قانون القضاء العشائري له سلطته العشائرية، بمعنى أن القانون المدني يحكم بموجب قانون مقر رسيما، بينما العشائري يحكم بالسوابق القضائية والأعراف، وأيضا إذا كان هناك قضايا تستمر عدة سنوات في المحاكم النظامية، فإنه في القضاء العشائري خلال بضع جلسات يتم الانتهاء منها، وهنا الفرق الذي جعل الناس تلجأ للقضاء العشائري بسبب سرعته في إنجاز القضايا.

ويؤكد مدير مركز شمس للديمقراطية وحقوق الإنسان عمر رحال أن لجوء الناس للقضاء العشائري يأتي بسبب السرعة في البت بالقضايا، إضافة إلى أن القاضي الشرعي يكون معلوم ومعرف عند التوجه إليه، في وقت فإن قلة التوجه للقضاء المدني تأتي بسبب المدة الأطول بالبت بالقضايا والتكاليف المالية التي قد لا يتحملها بعض الناس.

مآخذ على “الجلوة” العشائرية

يرى رحال بأن هناك جوانب سلبية تتركها ما تسمى بـ”الجلوة” -التي تأتي بعد وقوع جريمة القتل لمنع الأخذ بالثارات- حيث يعتبرها عقاب جماعي لذوي وأهل وأقارب الجاني، وبالتالي هي شكل من أشكال العقوبات الجماعية والترحيل القسري، وله تأثيرات رهيبة وسلبية على عدد كبير من الحقوق كحق التملك والعمل والتنقل وحقوق الأطفال ولنساء وكبار السن إلخ.

ويردف: “الجلوة تعد على القانون الأساسي الفلسطيني والقوانين الفلسطينية التي تضمن للناس الحق بالتملك والعمل والتعلم والانتخاب، وأيضا الإقامة في الأماكن التي يريدها، لكن الجلوة عقاب ومعيق أما سلطة القانون ولها الآثار السلبية خاصة في مدينة القدس التي قد تكون آلية للاحتلال بترحيل أهلنا هناك، ويمكن أن يستخدمها من أجل ترحيلهم إلى مكان آخر، وهذا ما حصل في غزة أيام الاحتلال في سبعينيات القرن الماضي عندما قام شارون بترحيل بعض الأسر من غزة إلى الضفة، كما يمكن أن تستخدم إسرائيل موضوع الجلوة في أروقة الأمم المتحدة ضدنا كفلسطينيين وتقول بأننا نقوم بترحيل بعضنا البعض، كيف يمكنهم أن يحصلوا على دولة؟”.