الأخبار

أحمد سناكرة.. الفتى الذي صنع اسطورة

في ذكراه الثانية عشرة..

بعد ست محاولات اغتيال..

أحمد سناكرة.. الفتى الذي صنع اسطورة

تقرير للاستاذة الصحفية نائلة خليل

١٨ كانون ثاني 2008

**

بعد ست محاولات اغتيال، وثلاث عشرة إصابة، ترجل أحمد سناكرة، حيث كان للموت جولة أخيرة مع الفتى الذي صنع أسطورته الخاصة في زمن بات لا يعترف إلا بصوت النار وصدأ الحديد.

انتصر “سنكور” كما يعرفه مخيم بلاطة، على قتلته مرات ومرات، في كل حصار كان عناده أكبر من قوتهم، وجرأة جسده النحيل أصلب من حديد عتادهم، وحتى استشهاده، كان انتصارا على جنود من ورق أرادوا إذلاله بالاستسلام ففضل المقاومة حتى آخر رصاصة في سلاحه.

بيده اليسرى حمل سلاحه وقاوم على مدار ساعات أحد أعنف إجتياحات جيش الاحتلال للمخيم بعد الخطة الأمنية، كان الجنود الذين حاصروه في أحد بيوت المخيم حيث احتمى مع ثلاثة من رفاقه، يراهنون على تعبه واستسلامه، فيده اليمنى مبتورة الأصابع أثر إصابة قديمة ولا يخلو جزء من جسده من جرح، لكنه راهن على الصمود أو الشهادة كما فعل دوما.

والدته جميلة سناكرة، التي أفجعها استشهاده وقفت عند رأسه في المستشفى حريصة أن لا يتم وضعه في ثلاجة الموتى كما أوصى مرارا، فبعد خمس سنوات من المطاردة والمبيت خارج المنزل صيفا وشتاءا، بات يكره البرد، ولا يتخيل نفسه داخل ثلاجة حتى لو كان جثة.

ليال البرد الطويلة التي كان يقضيها في أزقة المخيم وشوارعه على مدار خمسة أعوام، جعلت الشعور بالدفء أمنيته الوحيدة، والنوم بأمان كل ما يريد، لذلك لم تفاجأ والدته وهو يوصيها قبل أيام ويجعلها تقسم له اليمين “أن تقوم بوضع حرام دافئ في قبره” قال لها” أريد نومه دافئة وطويلة يا إمي” تقول الأم.

تبكي الأم وتندب بكلمات تجرح الروح، وهي تمسح عنق إبنها الذي تخضب بالدم بغطاء رأسها وملابسها، ويعلو صراخها وهي ترى سنكور يرتدي ذات السترة التي كان يرتديها شقيقه إبراهيم لحظة استشهاده، فتتضاعف حسرتها وكذلك بكاء الموجودين.

فالأم على موعد مع جمعة أخرى لا تنسى، حيث أستشهد ابنها الأول إبراهيم” 16 عاما” يوم جمعة في الثالث من تشرين الثاني 2006، أثناء كمين أعد خصيصا ل سنكور الذي أصيب حينها إصابة خطرة، وأستشهد شقيقه فورا عندما حاول إنقاذه.

مستشفى رفيديا ازدحم أمس بمئات المواطنين الذي قدموا لتشييع جثمان سنكور، العشرات قدموا من قرى ومدن الضفة، غير مصدقين أن الموت الذي طالما تحرش سنكور به بات اليوم حقيقة، ولن تكون هناك جولة أخرى يستفز بها الفتى قتلته حتى الجنون كما أعتاد أن يفعل دوما.

عاش سنكور سنواته الماضية مشروع شهيد، لا يعرف مكانا في العالم خارج حدود المخيم، في إصاباته المتكررة وعملياته الجراحية كانت تجرى وفق ترتيبات سرية معقدة، وكثيرا ما اجتاح جنود الاحتلال المستشفيات ونقبوا في غرف العمليات بحثا عنه.

لم يتذوق يوما طعم” عادية الأيام” بيته هدم، وأصدقائه إما استشهدوا أو اعتقلوا، كل من كان يقترب منه أو يؤويه في بيته كان يطاله الاعتقال رجلا كان أم فتاة، حاصروا حياته فتحول إلى كابوسا لجنودهم.

صيت سنكور سبقه في كل مكان، لكنه لم يدل يوما على عمره الحقيقي، فالفتى الذي تعرض لست محاولات اغتيال، وثلاث عشرة إصابة في مختلف أنحاء جسده لم يكمل عامه ال21 بعد.

ذاع صيت سنكور بعد أبرز محاولات اغتياله التي كانت في تموز 2006 حين هدم جيش الاحتلال المقاطعة في نابلس، وسوّاها بالأرض بحثا عنه، ثلاثة أيام كانت الميركافا تأكل الأرض، والأباتشي تحرث سماء نابلس، أستشهد حينها أربعة شبان أحدهم محمود الخطيب زوج شقيقته، لكن سنكور خرج من تحت الركام، لتقوم الحكومة الإسرائيلية بعد ذلك بعقاب الفرقة العسكرية وقائدها بتنزيل رتبهم العسكرية.

بعد تلك المحاولة بأربعة أشهر كان سنكور يعد سيارة مفخخة بنحو “90 كيلوغراما من المتفجرات” عندما كمن له الجنود وأصابوه بخمس رصاصات في بطنه وكتفه، ما أدى إلى استشهاد شقيقه الذي حاول إنقاذه حينها.

قصص كثيرة يملكها أهالي مخيم بلاطة عن سنكور، والأطفال باتوا يحفظون تفاصيلها عن ظهر قلب، ومن السهل أن يتبرع أكثر من طفل ليقول لأي زائر : في هذه الحارة حوصر سنكور، أما في هذا الشارع فقد أصيب، وفي ذلك الزقاق كان يعد العبوات الناسفة التي برع في صناعتها، أما هذا المسجد فقد نعاه في السابق مرتين ظنا أن محاولات الاغتيال قد تمكنت منه.

رحل سنكور الذي أطلقت عليه نابلس “طائر الفينيق”، والذي قال يوما “بعد كل محاولة اغتيال أبدأ بعد أيام عمري من الصفر”، فمنذ زمن أعد سنكور وصيته، ووشاحا لرأسه كان قد اتشح به رفيق لحظة استشهاده، وصورة لبوستره القادم.

ليس هذا فحسب بل اختار سنكور مكان قبره، وتؤكد أمه ذلك قائلة” أنه أوصى عائلته بدفنه في المساحة الضيقة بين قبر شقيقه إبراهيم وقبر زوج شقيقته، قائلا” أريد أن تدفنوني هناك فأنا نحيف جدا والمكان يسعني”.

وصيه أخيرة لسنكور أثارت استغراب المعزين ودموعهم، كانت أن يفتح في بيت عزاءه أغنية وطنية اعتاد على سماعها لأنها تذكره بجميع رفاقه الذين سبقوه للشهادة تقول “بدري عليك يا رفيق العمر بدري، ريت رصاص الغدر خلاك، وصاب صدري”.